نافذة التحمل

في نهايات القرن الماضي عرّف الدكتور دان المتخصص بعلم النفس مصطلح نافذة التحمل. وعرفها بأنها وصف يستخدم لتفسير وضعك النفسي والعاطفي الذي تكون فيه قادر على التفكير والتحليل واتخاذ القرار براحة وبدون شعور بالضغط.

فعند الشعور بالضغط يتم تحفيز الجهاز العصبي عند الفرد لكي يأتي بردة فعل تبقيه على قيد الحياة أو تحميه، هذه الصفة يشترك فيها الإنسان مع غيره من الثدييات، فيمارس إحدى التكتيكات التالية.
القتال، الهرب، التجمد. وفي تلك اللحظة يستخدم الجزء السفلي من الدماغ وهو الجزء المسؤول عن تصرّف الفرد عند شعوره بالخطر، ولا يستطيع استخدام الجزء الأمامي وهو الجزء المسؤول عن التفكير والتحليل، وأيضًا لا يستخدم الجزء الأوسط وهو الجزء المسؤول عن النضج العاطفي.

مثال: إذا هاجم ذئب شخصًا ما، فردة فعل الشخص ستكون بغرض حمايته.
الجزء السفلي من الدماغ سيحفزه على الهجوم على الذئب، أو الهرب منه، أو التجمد في مكانه. فالجسم عندما يشعر بالتهديد يرسل رسائله للدماغ ليتصرف بسرعة، فتصرفه هنا مسألة حياة أو موت. لذا يتم تفعيل الجزء السفلي من الدماغ.

ولكن عندما تكون المشاعر وفق نافذة التحمل للشخص، فإنه يكون بأفضل حالاته ويكون قادر على التعلم، والحب، والاكتشاف، والتعبير عن مشاعره. لكن في اللحظة التي يتم دفعه خارج نافذة تحمله بسبب مؤثرات معينة فإنه يصبح في مرحلة الشعور بالتهديد ويعجز عن التفكير فيترجم دماغه هذا الموقف بنفس الطريقة التي يترجمها إذا تعرّض لموقف خطير مثل: هجوم الذئب.

لكل منا نافذ تحمل افتراضية تختلف بالحجم من شخص لآخر، عندما يكون الشخص في نطاق نافذة تحمله فإن دماغه يعمل بشكل فعّال ويتعامل مع المؤثرات حوله بعقلانية وتكون ردة فعله نحو الظروف حوله مسبوقة بالتحليل والتفكير والمنطق، لذا يقوم الفرد عندها باتخاذ القرارات بشكل واعي وبدرجة عالية من النضج العاطفي، أما في الأوقات الحرجة، أول ما يشعر الفرد بالخطر فيمكن وصفه بأنه خارج نافذة تحمله.

ولكن هناك أفراد نافذة تحملهم ضيقة جدًا، فتكون ردة فعلهم قوية نحو مواقف بسيطة، لأن دماغهم يتفاعل مع أبسط المواقف وكأن خطرًا عظيمًا يترصدهم. فمثلًا: ابنك كسر كوب الماء، فتصرخ فيه وتضربه بقوة، أو ابنتك صرخت، فتصرخ فيها وتضربها وتحبسها في الغرفة وحدها، أو شخص تعرض لموقف بسيط في الشارع فيصرخ في الجميع ويضرب ويكسّر. نافذة تحمل هؤلاء الأشخاص تختلف فقد يتصرف بعقلانية مع أطفال الآخرين ويثور ويهدد عند أطفاله.

1- لماذا نافذة تحمل البعض ضيقة؟
2- لماذا هؤلاء الأشخاص يعجزون عن استخدام جزء المنطق والتحليل والتفكير، ويعطون ردة فعل وفق جزء الشعور بالتهديد الذي من المفترض أن لا يعمل إلا وفق الظروف القاهرة والتي تستدعي سرعة التصرف؟
3- لماذا يعجز الدماغ عن التفرقة بين المواقف الطبيعية والخطيرة؟
4- لماذا يتصرف الفرد عندها بعنف و وهوس وتحكم ويمارس الهجوم على الطرف الآخر؟
5- لماذا يعجز البعض عن الهجوم ويهرب أو يرفض التفاعل مع المواقف ويصبح في وضعية التجمد؟
6- لماذا يتعامل الجسد مع هذه المواقف كتهديد كبير فيتصبب عرقًا وتتسارع نبضات القلب، وربما نشعر بالمرض؟

هذا يحدث مع الأشخاص الذين تعرضوا للصدمات في طفولتهم أو في مراحل النمو المختلفة، مثل: التعرض لعنف جسدي، كالضرب أو العنف العاطفي أو التحرش أو التنمر أو لحوادث أو إهمال من الوالدين أو الفقد.. أي تجربة سيئة ومتكررة في طفولة الفرد تؤثر عليه وتؤثر على قدرته في توجيه مشاعره بشكل صحي، وتصبح نافذة التحمل لديه ضيقة لأنه تعرض للعديد من المواقف التي أشعرته بالتهديد.

والتفسير لهذا أن في كل مرة يضرب الأب ابنه، يشعر الابن بالتهديد ويتحفز الجزء السفلي من الدماغ مع الوقت ستصغر نافذة تحمل الفرد. الطفل الذي تعرض للإهمال، تصغر نافذة تحمله ويصبح أكثر قابلية للانخراط في عالم الجريمة في الكبر. لا علاقة بالأمر بأنه ولد وهو سيء، لكن للأمر علاقة بالطفولة المبكرة.

إذا كانت نافذة تحملك ضيقة وتؤذي أبناءك، فمن الضروري أن تكون واعي بأن غضبك الشديد لا علاقة له بتصرفات أبناءك، إنما له علاقة بضيق نافذة تحملك. لأن من المهم أن تسعنا نافذة التحمل لنتمكن من العيش في سعادة ورضا. لتوسيع نافذة تحملك: اقرأ في الصحة النفسية، ابتعد عن الطفل حتى تهدأ، ابحث عن الدواء المناسب، احصل على الدعم.

المصدر:

هذا المقال هو خلاصة حلقة نافذة التحمل من بودكاست وعي وتربية للأستاذة ابتسام الوردي.

https://podcasts.apple.com/sa/podcast/وعي-وتربية/id1515593619?l=ar&i=1000475974639

%d مدونون معجبون بهذه: